العيني
129
عمدة القاري
كلهم مدنيون . والحديث أخرجه البخاري أيضا في المغازي مختصرا عن عبد العزيز بن عبد الله أيضا . ذكر معناه : قوله : ( كاتبت أمية بن خلف ) يعني : كتبت إليه كتابا ، وفي رواية الإسماعيلي : عاهدت أمية بن خلف وكاتبته ، وأمية ، بضم الهمزة وفتح الميم المخففة وتشديد الياء آخر الحروف : ابن خلف ، بالخاء واللام المفتوحتين : ابن وهب ابن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر . وقال علماء السير : كان أمية بن خلف الجمحي أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء في يوم بعظم نخر ففته في يده ، وقال : يا محمد تزعم أن ربك هذا ، ثم نفخه فطار ، فأنزل الله تعالى : * ( قال : من يحيي العظام وهي رميم ) * ( يس : 87 ) . قوله : ( صاغيتي ) ، بصاد مهملة وغين معجمة : هي المال ، وقيل : الحاشية ، يقال : صاغية الرجل : حاشيته ، وكل من يصغي إليه ، أي : يميل ، وعن القزاز : صاغية الرجل أهله ، يقال أكرموا فلانا في صاغيته ، أي : في أهله ، وقال الهروي : خالصته ، وقال الكرماني : الصاغية هم القوم الذين يميلون إليه ويأتونه ، أي : أتباعه وحواشيه . قلت : فعلى هذا تكون الصاغية مشتقة من : صغيت إلى فلان ، أي : ملت بسمعي إليه ، ومنه : * ( ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ) * ( الأنعام : 311 ) . وكل مائل إلى شيء أو معه فقد صغى إليه ، وأصغى . وفي حديث الهرة : أنه كان يصغي لها الإناء أي : يميله إليها ليسهل عليها الشرب منه . وقال ابن الأثير : الصاغية خاصية الإنسان ، والمائلون إليه ذكره في تفسير هذا الحديث ، وقيل : الأشبه أن يكون هذا هو الأليق بتفسير هذا الحديث ، والله تعالى أعلم ، وقال ابن التين : ورواه الداودي : ظاعنتي ، بالظاء المشالة المعجمة والعين المهملة بعدها نون ، ثم فسره : بأنه الشيء الذي يسفر إليه ، قال : ولم أر هذا لغيره . قوله : ( لا أعرف الرحمن ) ، قال بعضهم : أي : لا أعترف بتوحيده . قلت : هذا الذي فسره لا يقتضيه قوله : ( لا أعرف الرحمن ) ، وإنما معناه أنه لما كتب إليه ذكر اسمه بعبد الرحمن ، فقال : ما أعرف الرحمن الذي جعلت نفسك عبدا له ، ألا ترى أنه قال : كاتبني باسمك الذي كان في الجاهلية ، وكان اسمه في الجاهلية : عبد عمرو ، فلذلك كاتبه : عبد عمرو ، وقيل : كان اسمه في الجاهلية : عبد الكعبة فسماه النبي صلى الله عليه وسلم : عبد الرحمن ، وقال صاحب ( التوضيح معناه لا أعبد من تعبده ، وهذه حمية الجاهلية التي ذكرت حين لم يقرؤا كتابه صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ، لما كتب : بسم الله الرحمن الرحيم ، قالوا : لا نعرف الرحمن أكتب باسمك اللهم . قوله : ( ولما كان يوم بدر ) ، يعني : غزوة يوم بدر ، وكانت يوم الجمعة السابع عشر من رمضان في السنة الثانية ، قاله عروة بن الزبير وقتادة والسدي وأبو جعفر الباقر ، وقيل : غير ذلك ، ولكن لا خلاف أنها في السنة الثانية من الهجرة ، وبدر : بئر لرجل كان يدعى بدرا ، قاله الشعبي . وقال البلاذري : بدر اسم ماء لخالد بن النضر ، بينه وبين المدينة ثمانية برد . قوله : ( لأحرزه ) ، بضم الهمزة من الإحراز أي : لأحفظه . وقال الكرماني : لأحوزه من الحيازة أي : الجمع ، وفي بعضها من : الحوز ، أي : الضبط والحفظ ، وفي بعضها : من التحويز أي : التبعيد . قوله : ( حين نام الناس ) ، أي : حين رقدوا ، وأراد بذلك اغتنام غفلتهم ليصون دمه . قوله : ( فأبصره بلال ) ، أي : أبصر أمية بلال بن حمامة ، رضي الله تعالى عنه . قوله : ( فقال ) ، أي : بلال . قوله : ( أمية بن خلف ) ، بالنصب على الإغراء أي : إلزموا أمية ، وفي رواية أبي ذر بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي : هو أمية . وقال بعضهم : خبر مبتدأ مضمر . قلت : لا يقال لمثل هذا المحذوف مضمر ، وليس بمصطلح هذا ، والفرق بين المضمر والمحذوف قائم . قوله : ( لا نجوت إن نجى أمية ) ، إنما قال ذلك بلال ، لأن أمية كان يعذب بلالاً بمكة عذابا شديدا لأجل إسلامه ، وكان يخرجه إلى الرمضاء إذا حميت فيضجعه على ظهره ، ثم يأخذ الصخرة العظيمة فيضعها على صدره ، ويقول : لا تزال هكذا حتى تفارق دين محمد ، فيقول بلال : أحد أحد . قوله : ( فخرج معه ) ، أي : فخرج مع بلال فريق من الأنصار ، وكان قد استصرخ بالأنصار وأغراهم على قتله . قوله : ( خلفت لهم ابنه ) أي : ابن أمية واسمه علي . قوله : ( لأشغلهم ) ، بضم الهمزة ، من الأشغال يعني : يشتغلون بابنه عن أبيه أمية . قوله : ( فقتلوه ) ، أي : قتلوا ابنه ، وقال عبد الرحمن بن عوف : فكنت بين أمية وابنه آخذ بأيديهما ، فلما رآه بلال صرخ بأعلى صوته : يا أنصار الله ! رأس الكفر أمية بن خلف ، فأحاطوا بنا ، وأنا أذب عنه ، فضرب رجل ابنه بالسيف فوقع ، وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط ، فقلت : أنج نفسك ، فوالله لا أغني عنك شيئا . قوله : ( ثم أبوا ) ، من الإباء بمعنى : الامتناع ، ويروى : ثم أتوا من الإتيان . قوله : ( وكان رجلاً ثقيلاً ) ، أي : كان أمية رجلاً ضخما . قوله : ( فلما أدركونا ) ، أي : قال